الشنقيطي
83
أضواء البيان
عن أنس بن مالك : أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الكافر إذا عمل حسنة أُطعم بها طعمة من الدنيا . وأَما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ، ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته ) . حدثنا محمد بن عبد الله الرزي ، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديثهما . واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا : كبر الوالدين ، وصلة الرحم ، وإكرام الضيف والجار ، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك ، كله مقيد بمشيئة الله تعالى . كما نص على ذلك بقوله : * ( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) * . فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث . وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق ، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا . وأشار له في ( مراقي السعود ) بقوله : فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث . وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق ، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا . وأشار له في ( مراقي السعود ) بقوله : * وحمل مطلق على ذاك وجب * إن فيهما اتحد حكم والسبب * لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً ) * . الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم . ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا ، لأنه صلى الله عليه وسلم معلوم أنه لا يجعل مع الله إلهاً آخر ، وأنه لا يقعد مذموماً مخذولاً . ومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم يوجه إليه الخطاب ، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى : * ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ) * . لأن معنى قوله * ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ ) * : أي إن يبلغ عندك والداك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف . ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل . فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل ، إلا أن المراد التشريع لغيره صلى الله عليه وسلم . ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنساناً والمراد بالخطاب غيره . ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول الراجز ، وهو سهل بن مالك الفزاري : إياك أعني واسمعي يا جاره